ابن حزم

378

رسائل ابن حزم الأندلسي

129 - الثبات الذي هو صحة العقد ، والثبات الذي هو اللجاج مشتبهان اشتباهاً لا يفرق بينهما إلا عارف بكيفية الأخلاق . والفرق بينهما أن اللجاج هو ما كان على الباطل أو ما فعله الفاعل نصراً لما نشب فيه ، وقد لاح له فساده أو لم يلح له صوابه ولا فساده . وهذا مذموم ، وضده الانصاف . وأما الثبات الذي هو صحة العقد فإنما يكون على الحق أو على ما اعتقده المرء حقاً ما لم يلح له باطله . وهذا محمود ، وضده الاضطراب ، وإنما يلام بعض هذين لأنه ضيع تدبير ما ثبت عليه وترك البحث عما التزم أحق هو أم باطل . 130 - حد العقل استعمال الطاعات والفضائل ، وهذا الحد ينطوي فيه اجتناب المعاصي والرذائل . وقد نص الله تعالى في غير موضع من كتابه على أن من عصاه لا يعقل . قال تعالى حاكياً عن قوم : { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } ( الملك : 10 ) ثم قال مصدقاً لهم : { فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير } ( الملك : 11 ) . 131 - وحد الحمق استعمال المعاصي والرذائل . وأما التعدي وقذف الحجارة والتخليط في القول ، فإنما هو جنون ومرار هائج . وأما الحمق فهو ضد العقل وهو ما بينا آنفاً ، ولا واسطة بين العقل والحمق ، إلا السخف . 132 - وحد السخف هو العمل والقول بما لا يحتاج إليه في دين ولا دنيا ولا حميد خلق ، مما ليس معصية ولا طاعة ولا عوناً عليهما ولا فضيلة ولا رذيلة مؤذية ، ولكنه من هذر القول وفضول العمل . فعلى قدر الاستكثار من هذين الأمرين والتقلل منهما يستحق المرء اسم السخف . وقد يسخف المرء في قصة ويعقل في أخرى ويحمق في ثالثة . 133 - وضد الجنون تمييز الأشياء ووجود القوة على التصرف